زكريا محمد: الأميون في القرآن: أهم الأحناف؟
من قصيدة "عُواء" للشاعر الاميركي ألن غينسبيرغ: ترجمة سركون بولص
محمود درويش يقرأ قصيدة في فيلم لصموئيل شمعون

ENGLISH KIKAH

أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com ______

محمود الريماوي

هيهات

 

محمود الريماوي

 

 

قبيل الخلود إلى النوم، إذا به يرى رجلاً غريب الهيئة وعلى شيء من الألفة، بوجه مستدير صافي النظرات، بلحية مشعثة قصيرة يختلط سوادها ببياضها، بشعر نصف مسرح ومعطف طويل حائل اللون، بحذاء جلدي من الصنف الذي لا يحتاج لطلاء، بمظهر فقير لكنه غير بائس على العموم .

رآهيتقدم ويشق الشارع الخلفي لسوق خضار مركزي . كان الشارع الطويل قد خف  من الباعة والمتسوقين في آخر النهار، وتناثرت هنا وهناك ولم تكن سيارة نظافة البلدية قد أتت بعد .. تناثرت حبات خضار وفاكهة تالفة ونصف سليمة،  كما يحدث في نهاية كل يوم عمل .

أخذ الرجل الغريب الكهل يرسل إلى حبات بندورة وباذنجان وخيار، وقرون موز وفلفل وبامياء تقترب أقدامه منها ..يرسل إليها نظرات مركزة  لا تنم عن جوع أو اشتهاء بالضرورة، وقد تفادى دوس أي منها، ولاحظت القلة الباقية من المارة والتجار الانبثاق الفجائي للرجل بمشيته النشطة، رغم ما يبدو عليه من انشغال ذهني وعناء بدني .

لم يبد متسوقاً ولا شخصاً ضل طريقه، بل ظهر بثقته المفرطة بنفسه أشبه بمسؤول حكومي جاء يتفقد المكان، أو تاجراً كبيراً ينتوي شراء السوق بما فيه وتلزمه نظرة متفحصة أخيرة قبل الشروع في شرائه. يقترب من دكان ويرسل إلى داخلها نظرة جانبية خاطفة ثم يمضي وهو يهمهم. يتسمر عند باب محل آخر، فتلفته أقل المحتويات أهمية مثل منفضة سجائر على رف صغير، أو روزنامة قديمة معلقة بمسمار على حائط  أو سبحة في يد البائع . ويتوقف عند دكان ثالثة فيخطو خطوتين داخلها ثم يسارع للمغادرة، كأنما تذكر شيئاً داهماً يوجب مغادرته . ويقف عند عتبة دكان رابعة ويحرص في وقفته تلك أن يدير ظهره للتاجر، وهو يسترق النظر إلى الداخل باحثاً عما لا يعرفه أحد . ويتمهل عند خامسة فلا يجيل نظره في المعروضات ولا تستوقفه أي منها، بل يكتفي بالتحديق في عيون البائع، وسط ذهول وتوجس هذا الأخير.

وفي أطلالاته العابرة هذه كان متسوقون رجال ونساء، من حديثي ومتقدمي السن على السواء، يتوقفون عما هم  فيه من فرجة وتردد وانتقاء ومساومة وشراء، وينخطفون نحو سحنة الوافد ورصد حركاته وسكناته .إحداهن ناجت الملائكة، وواحدة بسملت وثانية حوقلت وثالثة رسمت إشارة صليب، ورابعة استعاذت بالله من الشيطان  وهن يتملين محياه بنظرات جانبية حذرة. أما نظرات بقية الباعة فاتسمت بالنقمة المكتومة والحذر الظاهر، فمظهره كما رأوه أقرب إلى هيئة لص مليح المحيا، مع أن يده الطويلة لم تمتد أبداً إلى أي من المحتويات. وفي أجود الأحوال فهو في أنظارهم إما مخبول  أو متشرد غريب الأطوار. غير أن جريدة مطوية في يده وبداخلها دفتر أو كتاب، وقلما مثبتاً في الجيب العلوي للمعطف، جعلتهم يتريثون ويتشككون في إصدار حكم سالب عليه، وبينهم تاجر لم يبلغ الثلاثين هشّ له، رحب به وسأله عن حاجته. لم يجبه الوافد حتى أنه ظل شارد الذهن، ولم يبد عليه أنه أرخى أذنيه لسماع السؤال. فأعاد سؤاله له بنبرة ودودة تكاد تكون ملحاحة، فأجابه الوافد بصوت أجش والله يعلم متى نطق قبل هذه المرة .. أجابه : أنه لا يريد شيئا سوى إشباع فضوله .

 استغرب التاجر الجواب، ودعاه للجلوس وتناول القهوة معاً، وهي دعوة قلما يحظى بها زبون عابر من تاجر. لكن الوافد هز رأسه غير مرحب بالدعوة، ومشى مستكملاً جولته التفقدية . ومخفضاً رأسه تحدث التاجر إلى نفسه بأنه هو أيضاً، يرغب لو أن الوافد يسعفه ويشبع فضوله نحوه، غير أنه لأمر ما لم يمكنه من ذلك. وفيما كان  هذا يلهث في مشيته الدؤوبة المتعجلة، ماضياً نحو هدف غامض، وباحثاً عن شيء مجهول، فإن من رأى المشهد من رأى الرؤيا وهو في برزخ بين اليقظة والنوم، استبد به كذلك الفضول الشديد نحو الوافد الغريب وتمنى لو أنه تاجر أو متسوق عبر سوق الخضار في الأثناء، كي يستوقفه ويقف منه على سره وحاجته، ولو اضطر لاستفزازه وحتى لشتمه . لكن هيهات للثمرة أن تقطف . مقارنة بالثمار الشهية المقطوفة التي لم تفرغ الدكاكين منها . فقد فات الأوان .. فات . ولم يتح له سوى أن بستغرب مع نفسه السكرى بالأخيلة : كيف يداهمه ويأتيه الحلم، يومض ويتبدد في رأسه فجأة قبل أن يغفو وينام لا بعدئذ ؟.

 لم يلبث الرائي أن غفا بالفعل  بعدما انطفأت ذبالة عقله وتحللت قواه، وحل به هو تعب وإعياء لا بالرجل الغريب، الذي ظل ينهب الطريق سائراً نحو الأفق الغربي إلى بيت الشمس، بقلب واجم ونظرات حالمة وخطوات مقدامة .

 

كاتب من الاردن

mdrimawi@yahoo.com

 

خاص كيكا